القاضي التنوخي
334
الفرج بعد الشدة
كما يجهّز أهل البيوتات بناتهنّ ، وجليت عليّ ، وعمل لنا عرس حسن ، ونعمت معها دهرا طويلا . ثم مات أبي ، وخلّف لي مالا كثيرا ، فلم أحسن أن أربّ نعمته « 10 » ، وأسأت التدبير فيها [ 272 ر ] ، وأسرعت في الأكل والشرب والقيان ، وأنا مع ذلك أجذر « 11 » في اليوم الواحد بخمسين دينارا أو أكثر . فأوجب ذلك أن تلفت النعمة ، وأفضت [ 298 غ ] الحال إلى نقض الدار وبيع ما فيها ، حتى صرت إلى ما ترى ، وأنا على هذا منذ سنين . فلمّا كان في هذا الوقت ، وبلغني دخول الخليفة ، ووزيره ، وأهل مملكته ، البصرة ، قلت لها : يا ستّي ، اعلمي أنّ شبابك قد بلي ، وأنّ عمرك في الشقاء ينقضي ، وباللّه ، إنّ نفسي تالفة من فراقك ، ولكنّي أؤثر تلفها مع وصولك إلى نعمة ورفاهية ، فدعيني أعرضك ، لعلّ أن يشتريك بعض هؤلاء الأكابر ، فتحصلي معه في رغد عيش ، فإن متّ بعدك فذاك الذي أوثر ، ويكون كلّ واحد منّا قد تخلّص من الشقاء ، وإن حكم اللّه تعالى عليّ بالبقاء ، صبرت على قضائه . فبكت من ذلك ، وقلقت ، ثم قالت : إفعل ما تحبّ . فخرجت إلى هذا النخّاس ، فأطلعته على أمري ، وقد كان يسمع غناءها أيّام نعمتي ، وعرف حالها وحالي ، وأعلمته أنّي لا أعرضها إلّا عندي ، فإنّها - واللّه - ما طرقت رجلها خارج باب الدار قط ، وقصدت بذلك أن يراها المشتري ، ولا تدخل بيوت الناس ، ولا إلى السوق ، وإنّها لم يكن لها ما تلبسه إلّا قميصي هذا ، وهو مشترك بيننا ، ألبسه أنا إذا خرجت لأبتاع القوت ، وتتّشح هي بأزارها ، وإذا جئت إلى البيت ، ألبستها إيّاه ، وأتّشح أنا بالأزار .
--> ( 10 ) ربّ النعمة : أصلحها وزادها . ( 11 ) الجذر : أجر المغنّي .